فخر الدين الرازي

235

تفسير الرازي

البحث الثالث : قوله : * ( فظلموا بها ) * أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها ، وقال ابن قتيبة : * ( ظلموا بها ) * أي جحدوا بأنها من الله تعالى . ثم قال تعالى : * ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ) * قيل : لا آية إلا وتتضمن التخويف بها عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من عذاب الآخرة . فإن قيل : المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف . قلنا : المقصود أن مدعي النبوة إذا أظهر الآية فإذا سمع الخلق أنه أظهر آية فهم لا يعلمون أن تلك الآية معجزة أو مخوفة ، إلا أنهم يجوزون كونها معجزة ، وبتقدير أن تكون معجزة فلو لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد ، فهذا هو الخوف الذي يحملهم على التفكر والتأمل في تلك المعجزات ، فالمراد من قوله : * ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ) * هذا الذي ذكرناه ، والله أعلم . واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات القاهرة ، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سبباً لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له : لو كنت رسولاً حقاً من عند الله تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك ، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء ، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال : * ( وإذا قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) * وفيه قولان : القول الأول : المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته ، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، والمقصود كأنه تعالى يقول له : ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا . قال الحسن : حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى : * ( والله يعصمك من الناس ) * ( المائدة : 67 ) . والقول الثاني : أن المراد بالناس أهل مكة وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى : وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم ، ونظيره قوله تعالى : * ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) * ( القمر : 45 ) وقال : * ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون ) * ( آل عمران : 12 ) إلى قوله : * ( أحاط بالناس ) * لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب الوقوع ، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال : * ( أحاط بالناس ) * وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول : " اللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي " ثم خرج